Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يُعارِضُونَ النَّبِيَّ ﷺ في الطَّوافِ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ ويُصَفِّرُونَ ويَخْلِطُونَ عَلَيْهِ طَوافَهُ وصَلاتَهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ إذا صَلّى الرَّسُولُ في المَسْجِدِ يَقُومُونَ عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ بِالتَّصْفِيرِ والتَّصْفِيقِ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ. فَعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ نَوْعَ عِبادَةٍ لَهم، وعَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، كانَ إيذاءً لِلنَّبِيِّ ﷺ . والأوَّلُ أقْرَبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ .
فَإنْ قِيلَ: المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ ما كانا مِن جِنْسِ الصَّلاةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ اسْتِثْناؤُهُما عَنِ الصَّلاةِ ؟ .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ مِن جِنْسِ الصَّلاةِ، فَخَرَجَ هَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الثّانِي: أنَّ هَذا كَقَوْلِكَ ودِدْتُ الأمِيرَ فَجَعَلَ جَفائِي صِلَتِي، أيْ أقامَ الجَفاءَ مَقامَ الصِّلَةِ فَكَذا هَهُنا.
الثّالِثُ: الغَرَضُ مِنهُ أنَّ مَن كانَ المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ صَلاتَهُ فَلا صَلاةَ لَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ما لِفُلانٍ عَيْبٌ إلّا السَّخاءُ، يُرِيدُ مَن كانَ السَّخاءُ عَيْبَهُ فَلا عَيْبَ لَهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ عَذابَ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .