Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ سَتْرُها في الدُّنْيا، ومِنَ المَغْفِرَةِ إزالَتُها في القِيامَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ إذا وعَدَ بِشَيْءٍ وفّى بِهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ أفْضالَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن أفْضالِ غَيْرِهِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ فَإنَّهُ لا يَتَفَضَّلُ ولا يُحْسِنُ إلّا إذا حَصَلَتْ في قَلْبِهِ داعِيَةُ الإفْضالِ والإحْسانِ، وتِلْكَ الدّاعِيَةُ حادِثَةٌ فَلا تَحْصُلُ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ هَذا يَنْكَشِفُ أنَّ المُتَفَضِّلَ لَيْسَ إلّا اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الدّاعِيَةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ الفِعْلِ.
الثّانِي: أنَّ كُلَّ مَن تَفَضَّلَ يَسْتَفِيدُ بِهِ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكَمالِ إمّا عِوَضًا مِنَ المالِ أوْ عِوَضًا مِنَ المَدْحِ والثَّناءِ، وإمّا عِوَضًا مِن نَوْعٍ آخَرَ وهو دَفْعُ الألَمِ الحاصِلِ في القَلْبِ بِسَبَبِ الرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ، واللَّهُ تَعالى يُعْطِي ويَتَفَضَّلُ ولا يَطْلُبُ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأعْواضِ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، وما كانَ حاصِلًا لِلشَّيْءِ لِذاتِهِ امْتَنَعَ أنْ يَسْتَفِيدَهُ مِن غَيْرِهِ.