Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الدَّواعِي والإراداتُ فَحُصُولُها إنْ لَمْ يَكُنْ بِفاعِلٍ يَلْزَمُ الحُدُوثُ لا عَنْ مُحْدِثٍ، وإنْ كانَ بِفاعِلٍ فَذَلِكَ الفاعِلُ إمّا العَبْدُ وإمّا اللَّهُ تَعالى، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَزِمَ تَوَقُّفُ ذَلِكَ القَصْدِ عَلى قَصْدٍ آخَرَ وهو مُحالٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ الِاعْتِقاداتِ والإراداتِ والدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى، فَنَصُّ القُرْآنِ دَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَ القُلُوبِ مِنَ اللَّهِ، والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرْناهُ. أمّا القائِلُونَ بِالقَدَرِ فَقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْتُمْ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ: إنَّ مَن حالَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ فَهو عاجِزٌ، وأمْرُ العاجِزِ سَفَهٌ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَأْمُرَنا اللَّهُ بِصُعُودِ السَّماءِ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الزَّمِنَ لا يُؤْمَرُ بِالصَّلاةِ قائِمًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] وقالَ في المُظاهِرِ: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المُجادَلَةِ: ٤] فَأسْقَطَ فَرْضَ الصَّوْمِ عَمَّنْ لا يَسْتَطِيعُهُ.