Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، بَيَّنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ صِفَةَ عِقابِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُعَجَّلًا في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا في الآخِرَةِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ وهو المُعَجَّلُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ بِالإضافَةِ إلى المُؤَجَّلِ لَهم في الآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ ذَوْقًا، لِأنَّ الذَّوْقَ لا يَكُونُ إلّا تَعَرُّفَ طَعْمِ اليَسِيرِ لِيُعْرَفَ بِهِ حالُ الكَثِيرِ، فَعاجِلُ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الآلامِ في الدُّنْيا كالذَّوْقِ القَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأمْرِ العَظِيمِ المُعَدِّ لَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّوْقَ يَحْصُلُ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوى إدْراكِ الطُّعُومِ المَخْصُوصَةِ، وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُّخانِ: ٤٩] وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: ”«أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» “ فَهَذا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الذَّوْقِ والأكْلِ والشُّرْبِ بِطَرِيقٍ رُوحانِيٍّ مُغايِرٍ لِلطَّرِيقِ الجُسْمانِيِّ.