Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 8:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ قِسْمانِ: الثَّلاثَةُ الأُوَلُ: هي الصِّفاتُ القَلْبِيَّةُ والأحْوالُ الرُّوحانِيَّةُ، وهي الخَوْفُ والإخْلاصُ والتَّوَكُّلُ. والِاثْنَتانِ الأخِيرَتانِ هُما الأعْمالُ الظّاهِرَةُ والأخْلاقُ، ولا شَكَّ أنَّ لِهَذِهِ الأعْمالِ والأخْلاقِ تَأْثِيراتٌ في تَصْفِيَةِ القَلْبِ، وفي تَنْوِيرِهِ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ولا شَكَّ أنَّ المُؤَثِّرَ كُلَّما كانَ أقْوى كانَتِ الآثارُ أقْوى وبِالضِّدِّ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ والأعْمالُ لَها دَرَجاتٌ ومَراتِبُ كانَتِ المَعارِفُ أيْضًا لَها دَرَجاتٌ ومَراتِبُ، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ والثَّوابُ الحاصِلُ في الجَنَّةِ أيْضًا مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ هَذِهِ الأحْوالِ، فَثَبَتَ أنَّ مَراتِبَ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ قَبْلَ المَوْتِ وبَعْدَ المَوْتِ، ومَراتِبَ السَّعاداتِ الحاصِلَةِ في الجَنَّةِ كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ المَفْضُولَ إذا عَلِمَ حُصُولَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ لِلْفاضِلِ وحِرْمانَهُ عَنْها فَإنَّهُ يَتَألَّمُ قَلْبُهُ، ويَتَنَغَّصُ عَيْشُهُ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِكَوْنِ الثَّوابِ رِزْقًا كَرِيمًا ؟ .
والجَوابُ: أنَّ اسْتِغْراقَ كُلِّ واحِدٍ في سَعادَتِهِ الخاصَّةِ بِهِ تَمْنَعُهُ مِن حُصُولِ الحِقْدِ والحَسَدِ، وبِالجُمْلَةِ فَأحْوالُ الآخِرَةِ لا تُناسِبُ أحْوالَ الدُّنْيا إلّا بِالِاسْمِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ والرّابِعُ