Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:204
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ في ابْتِداءِ التَّبْلِيغِ ولَيْسَ خِطابًا مَعَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ مُناسِبٌ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أقْوامًا مِنَ الكُفّارِ يَطْلُبُونَ آياتٍ مَخْصُوصَةً ومُعْجِزاتٍ مَخْصُوصَةً، فَإذا كانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْتِيهِمْ بِها قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَ جَوابًا عَنْ كَلامِهِمْ إنَّهُ لَيْسَ لِي أنْ أقْتَرِحَ عَلى رَبِّي، ولَيْسَ لِي إلّا أنْ أنْتَظِرَ الوَحْيَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما تَرَكَ الإتْيانَ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ القُرْآنَ مُعْجِزَةٌ تامَّةٌ كافِيَةٌ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ وعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلَوْ قُلْنا إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾ المُرادُ مِنهُ قِراءَةُ المَأْمُومِ خَلْفَ الإمامِ لَمْ يَحْصُلْ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها تَعَلُّقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وانْقَطَعَ النَّظْمُ، وحَصَلَ فَسادُ التَّرْتِيبِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ شَيْئًا آخَرَ سِوى هَذا الوَجْهِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ لَمّا ادَّعى كَوْنَ القُرْآنِ بَصائِرَ وهُدًى ورَحْمَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ مُعْجِزَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَوْنُهُ كَذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا بِشَرْطٍ مَخْصُوصٍ، وهو أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ اسْتَمَعُوا لَهُ وأنْصَتُوا حَتّى يَقِفُوا عَلى فَصاحَتِهِ، ويُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهم كَوْنُهُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَسْتَعِينُوا بِهَذا القُرْآنِ عَلى طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، ويَظْهَرُ لَهم صِدْقُ قَوْلِهِ في صِفَةِ القُرْآنِ أنَّهُ (بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ) فَثَبَتَ أنّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ اسْتَقامَ النَّظْمُ وحَصَلَ التَّرْتِيبُ الحَسَنُ المُفِيدُ، ولَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى مَنعِ المَأْمُومِ مِنَ القِراءَةِ خَلْفَ الإمامِ فَسَدَ النَّظْمُ واخْتَلَّ التَّرْتِيبُ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ خِطابٌ مَعَ الكُفّارِ عِنْدَ قِراءَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ في مَعْرِضِ الِاحْتِجاجِ بِكَوْنِهِ مُعْجِزًا عَلى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وعِنْدَ هَذا يَسْقُطُ اسْتِدْلالُ الخُصُومِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومِمّا يُقَوِّي أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوْلى، وُجُوهٌ: