cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:185

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

ثُمَّ قالَ: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الدَّلائِلَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ. بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ عالَمِ الأجْسامِ والأرْواحِ فَهي بُرْهانٌ باهِرٌ، ودَلِيلٌ قاهِرٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولِنُقَرِّرْ هَذا المَعْنى بِمِثالٍ. فَنَقُولُ: إنَّ الضَّوْءَ إذا وقَعَ عَلى كُوَّةِ البَيْتِ ظَهَرَ الذَّرّاتُ والهَباءاتُ، فَلْنَفْرِضِ الكَلامَ في ذَرَّةٍ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ فَنَقُولُ: إنَّها تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مِن جُمْلَةِ الأحْيازِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها في الخَلاءِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ، وكُلُّ حَيِّزٍ مِن تِلْكَ الأحْيازِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ فَرَضْنا وُقُوعَ تِلْكَ الذَّرَّةِ فِيهِ كانَ اخْتِصاصُها بِذَلِكَ الحَيِّزِ المُعَيَّنِ مِنَ المُمْكِناتِ والجائِزاتِ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُخَصِّصٍ ومُرَجِّحٍ وذَلِكَ المُخَصَّصُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأيْضًا فَتِلْكَ الذَّرَّةُ لا تَخْلُو عَنِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَإنَّ حُدُوثَهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وبَعْدَهُ، فاخْتِصاصُهُ بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ قَدِيمٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ المُخَصِّصُ جِسْمًا عادَ السُّؤالُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأيْضًا إنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ مُساوِيَةٌ لِسائِرِ الأجْسامِ في التَّحَيُّزِ والحَجْمِيَّةِ. ومُخالِفَةٌ لَها في اللَّوْنِ والشَّكْلِ والطَّبْعِ والطَّعْمِ وسائِرِ الصِّفاتِ. واخْتِصاصُها بِكُلِّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي بِاعْتِبارِها خالَفَتْ سائِرَ الأجْسامِ، لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مِنَ الجائِزاتِ، والجائِزُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُرَجِّحٍ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَهو اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الذَّرَّةَ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ مِن جِهاتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، واعْتِباراتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ أجْزاءِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ والرُّوحانِيِّ، مُفْرَداتِهِ ومُرَكَّباتِهِ وسُفْلِيّاتِهِ وعُلْوِيّاتِهِ وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ لَكَ صِدْقُ ما قالَ الشّاعِرُ:

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.