Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:184
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَغْشاهُ حالَةٌ عَجِيبَةٌ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ فَيَتَغَيَّرُ وجْهُهُ ويَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وتَعْرِضُ لَهُ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالغَشْيِ، فالجُهّالُ كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ جُنُونٌ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الجُنُونِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ويُقِيمُ الدَّلائِلَ القاطِعَةَ والبَيِّناتِ الباهِرَةَ، بِألْفاظٍ فَصِيحَةٍ بَلَغَتْ في الفَصاحَةِ إلى حَيْثُ عَجَزَ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ عَنْ مُعارَضَتِها، وكانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ، مَرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ نَقِيَّ السِّيرَةِ، مُواظِبًا عَلى أعْمالٍ حَسَنَةٍ صارَ بِسَبَبِها قُدْوَةً لِلْعُقَلاءِ العالِمِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْسانِ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالجُنُونِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ اجْتِهادَهُ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ إنَّما كانَ لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أرْسَلَهُ رَبُّ العالَمِينَ لِتَرْهِيبِ الكافِرِينَ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ النَّظَرُ في أمْرِ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، لا جَرَمَ ذُكِرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ.