Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:180
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
النَّوْعُ السّادِسُ في تَقْسِيمِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ: أوَّلُ ما يُعْلَمُ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَوْنُهُ مُحْدِثًا لِلْأشْياءِ مُرَجِّحًا لِوُجُودِها عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ لِأنّا إنَّما نَعْلَمُ وُجُودَهُ سُبْحانَهُ بِواسِطَةِ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُودِ المُمْكِناتِ عَلَيْهِ، فَإذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا العالَمَ المَحْسُوسَ مُمْكِنُ الوُجُودِ والعَدَمِ لِذاتِهِ، قَضى العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى مُرَجِّحٍ يُرَجِّحُ وجُودَهُ عَلى عَدَمِهِ، وذَلِكَ المُرَجِّحُ لَيْسَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَثَبَتَ أنَّ أوَّلَ ما يُعْلَمُ مِنهُ تَعالى هو كَوْنُهُ مُرَجِّحًا ومُؤَثِّرًا، ثُمَّ نَقُولُ ذَلِكَ المُرَجِّحُ إمّا أنْ يُرَجِّحَ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَدامَ العالِمُ بِدَوامِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، فَبَقِيَ أنَّهُ إنَّما رُجِّحَ عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، وكَوْنُهُ مُرَجِّحًا عَلى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، لَيْسَ إلّا كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا، فَثَبَتَ أنَّ المَعْلُومَ مِنهُ بَعْدَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُرَجِّحًا، هو كَوْنُهُ قادِرًا. ثُمَّ إنّا بَعْدَ هَذا نَسْتَدِلُّ بِكَوْنِ أفْعالِهِ مُحْكَمَةً مُتْقَنَةً عَلى كَوْنِهِ عالِمًا، ثُمَّ إنّا إذا عَلِمْنا كَوْنَهُ تَعالى قادِرًا عالِمًا، وعَلِمْنا أنَّ العالِمَ القادِرَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ إلّا حَيًّا، عَلِمْنا مِن كَوْنِهِ قادِرًا عالِمًا، كَوْنَهُ حَيًّا. فَظَهَرَ بِهَذا أنَّهُ لَيْسَ العِلْمُ بِصِفاتِهِ تَعالى وبِأسْمائِهِ واقِعًا في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، بَلِ العِلْمُ بِها عُلُومٌ مُتَرَتَّبَةٌ يُسْتَفادُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.