Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:179
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأمْثالُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ، ونَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّناقُضِ في القُرْآنِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ عَلى ظاهِرِهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ وهو تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهم، ولَوْ كانُوا مَخْلُوقِينَ لِلنّارِ، لَما كانُوا قادِرِينَ عَلى الإيمانِ البَتَّةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَيَقْبُحُ ذَمُّهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلنّارِ لَما كانَ لَهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الكُفّارِ نِعْمَةٌ أصْلًا؛ لِأنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا بِالقِياسِ إلى العَذابِ الدّائِمِ، كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وكانَ كَمَن دَفَعَ إلى إنْسانٍ حَلْوًا مَسْمُومًا فَإنَّهُ لا يَكُونُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا. ولَمّا كانَ القُرْآنُ مَمْلُوءًا مِن كَثْرَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى كُلِّ الخَلْقِ، عَلِمْنا أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما ذَكَرْتُمْ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ، والثَّوابَ والعِقابَ، والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ يُبْطِلُ هَذا المَذْهَبَ الَّذِي يَنْصُرُونَهُ.