Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:158
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ القَوْلُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ. ثَبَتَ أنَّهُ يَصِحُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى إرْسالُ الرُّسُلِ، ومُطالَبَةُ الخَلْقِ بِالتَّكالِيفِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ الخَلْقُ كُلُّهم عَبِيدُهُ ولا مَوْلًى لَهم سِواهُ، وأيْضًا إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلى الكُلِّ بِأعْظَمِ النِّعَمِ، وأيْضًا إنَّهُ قادِرٌ عَلى إيصالِ الجَزاءِ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأسْبابِ الثَّلاثَةِ سَبَبٌ تامٌّ في أنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ تَكْلِيفُ الخَلْقِ، أمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المَوْلى مُطالَبَةُ عَبْدِهِ بِطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وأمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الثّانِي فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ المُنْعِمِ مُطالَبَةُ المُنْعَمِ عَلَيْهِ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ، وأمّا بِحَسَبِ السَّبَبِ الثّالِثِ فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ القادِرِ عَلى إيصالِ الجَزاءِ التّامِّ إلى المُكَلَّفِ أنْ يُكَلِّفَهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الطّاعَةِ، فَظَهَرَ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَتِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ بِالدَّلائِلِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ يَلْزَمُ الجَزْمُ بِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ إرْسالُ الرُّسُلِ، ويَجُوزُ مِنهُ تَعالى أنْ يَخُصَّهم بِأنْواعِ التَّكالِيفِ، فَثَبَتَ أنَّ الآياتِ المَذْكُورَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ لِلْعالِمِ إلَهًا حَيًّا عالِمًا قادِرًا، وعَلى أنَّ هَذا الإلَهَ واحِدٌ، وعَلى أنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ.
* * *