Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:157
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ اسْتِئْنافًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ أنَّهُ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ وأقُولُ مَجامِعُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مَحْصُورَةٌ في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ) وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنُ الوُجُودِ لِذاتِهِ. أمّا الواجِبُ لِذاتِهِ فَهو اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ، ولا مَعْرُوفَ أشْرَفُ مِن تَعْظِيمِهِ وإظْهارِ عُبُودِيَّتِهِ وإظْهارِ الخُضُوعِ والخُشُوعِ عَلى بابِ عِزَّتِهِ، والِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِصِفاتِ الكَمالِ مُبَرَّأً عَنِ النَّقائِصِ والآفاتِ، مُنَزَّهًا عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ، وأمّا المُمْكِنُ لِذاتِهِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ حَيَوانًا، فَلا سَبِيلَ إلى إيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ مَشْرُوطٌ بِالحَياةِ، ومَعَ هَذا فَإنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلى كُلِّها بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ مِن حَيْثُ إنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، ومِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ لَمّا كانَتْ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى تَوْحِيدِهِ وتَنْزِيهِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِعَيْنِ الِاحْتِرامِ. ومِن حَيْثُ إنَّ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ أسْرارًا عَجِيبَةً وحِكَمًا خَفِيَّةً فَيَجِبُ النَّظَرُ إلَيْها بِعَيْنِ الِاحْتِرامِ، وأمّا إنْ كانَ ذَلِكَ المَخْلُوقُ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ يَجِبُ إظْهارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ بِأقْصى ما يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلَيْهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ بِرُّ الوالِدَيْنِ وصِلَةُ الأرْحامِ وبَثُّ المَعْرُوفِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: («التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ، والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِجَمِيعِ جِهاتِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ.