Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ أنَّ الإنْسانَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى، بِدَلِيلِ أنَّ الجَبَلَ مَعَ عَظَمَتِهِ لَمّا رَأى اللَّهَ تَعالى انْدَكَّ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ، ولَوْلا أنَّ المُرادَ مِنَ التَّجَلِّي ما ذَكَرْناهُ وإلّا لَمْ يَحْصُلْ هَذا المَقْصُودُ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ هو أنَّ الجَبَلَ لَمّا رَأى اللَّهَ تَعالى انْدَكَّتْ أجْزاؤُهُ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ، أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: الجَبَلُ جَمادٌ، والجَمادُ يَمْتَنِعُ أنْ يَرى شَيْئًا، إلّا أنّا نَقُولُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ في ذاتِ الجَبَلِ الحَياةَ والعَقْلَ والفَهْمَ، ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ رُؤْيَةً مُتَعَلِّقَةً بِذاتِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] وكَوْنُهُ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ الحَياةِ والعَقْلِ فِيهِ فَكَذا هَهُنا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ دَلالَةُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى جائِزُ الرُّؤْيَةِ.
أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ أنَّهُ تَعالى تَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ، فَوَجَبَ صَرْفُ هَذِهِ الظَّواهِرِ إلى التَّأْوِيلاتِ.
أمّا دَلائِلُهُمُ العَقْلِيَّةُ فَقَدْ بَيَّنّا في الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ ضَعْفَها وسُقُوطَها، فَلا حاجَةَ هُنا إلى ذِكْرِها.