Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ فالعُقَلاءُ المُحَصِّلُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ حادِثًا كائِنًا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ. وزَعَمَتِ الحَنابِلَةُ والحَشْوِيَّةُ أنَّ الكَلامَ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ قَدِيمٌ، وهَذا القَوْلُ أخَسُّ مِن أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْهِ، وذَلِكَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا: إنَّهُ تَعالى إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ عَلى الجَمْعِ أوْ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ المَسْمُوعَةَ المَفْهُومَةَ إنَّما تَكُونُ مَفْهُومَةً إذا كانَتْ حُرُوفُها مُتَوالِيَةً، فَأمّا إذا كانَتْ حُرُوفُها تُوجَدُ دُفْعَةً واحِدَةً فَذاكَ لا يَكُونُ مُفِيدًا البَتَّةَ، والثّانِي: يُوجِبُ كَوْنَها حادِثَةً؛ لِأنَّ الحُرُوفَ إذا كانَتْ مُتَوالِيَةً فَعِنْدَ مَجِيءِ الثّانِي يَنْقَضِي الأوَّلُ، فالأوَّلُ حادِثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ، والثّانِي حادِثٌ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ وُجُودُهُ مُتَأخِّرًا عَنْ وُجُودِ غَيْرِهِ فَهو حادِثٌ، فَثَبَتَ أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لِلنّاسِ: هَهُنا مَذْهَبانِ:
الأوَّلُ: أنَّ مَحَلَّ تِلْكَ الحُرُوفِ والأصْواتِ الحادِثَةِ هو ذاتُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ الكَرّامِيَّةُ.
الثّانِي: أنَّ مَحَلَّها جِسْمٌ مُبايِنٌ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى كالشَّجَرَةِ وغَيْرِها، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ.