Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:138-139
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ يُقالُ: جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ وخَلَفَهُ وراءَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ: عَبَرَ بِهِ، وقُرِئَ ”جَوَّزْنا“ بِمَعْنى: أجَزْنا. يُقالُ: أجازَ المَكانَ وجَوَّزَهُ بِمَعْنى: جازَهُ ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُلازِمُونَها. يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: عَكَفَ يَعْكِفُ ويَعْكُفُ، ومِن هَذا قِيلَ لِمُلازِمِ المَسْجِدِ: مُعْتَكِفٌ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ أُولَئِكَ القَوْمُ مِن لَخْمٍ، وكانُوا نُزُولًا بِالرِّيفِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ تِلْكَ الأصْنامُ تَماثِيلَ بَقَرٍ، وذَلِكَ أوَّلُ بَيانِ قِصَّةِ العِجْلِ.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ مِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يَقُولَ العاقِلُ لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ وخالِقًا ومُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِجَعْلِ مُوسى، وتَقْدِيرُهُ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا لَهُ، ومَن شَكَّ في ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كامِلَ العَقْلِ. والأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أصْنامًا وتَماثِيلَ يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ عَبَدَةِ الأوْثانِ حَيْثُ قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .