Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:136
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى، لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ مِن قَبْلُ مَرّاتٍ وكَرّاتٍ ولَمْ يَمْتَنِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ، ثُمَّ بَلَغُوا الأجَلَ المُؤَقَّتَ انْتَقَمَ مِنهم بِأنْ أهْلَكَهم بِالغَرَقِ. والِانْتِقامُ في اللُّغَةِ سَلْبُ النِّعْمَةِ بِالعَذابِ، واليَمُّ البَحْرُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: اليَمُّ: البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ ومُعْظَمُ مائِهِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّ المُسْتَقِينَ بِهِ يَقْصِدُونَهُ. وبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أنَّ ذَلِكَ الِانْتِقامَ هو لِذَلِكَ التَّكْذِيبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ اخْتَلَفُوا في الكِنايَةِ في ”عَنْها“ . فَقِيلَ: إنَّها عائِدَةٌ إلى النِّقْمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿انْتَقَمْنا﴾ والمَعْنى: وكانُوا عَنِ النِّقْمَةِ قَبْلَ حُلُولِها غافِلِينَ، وقِيلَ: الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى الآياتِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: لِأنَّهم كانُوا لا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: الغَفْلَةُ لَيْسَتْ مِن فِعْلِ الإنْسانِ ولا تَحْصُلُ بِاخْتِيارِهِ، فَكَيْفَ جاءَ الوَعِيدُ عَلى الغَفْلَةِ.
قُلْنا: المُرادُ بِالغَفْلَةِ هُنا الإعْراضُ عَنِ الآياتِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلَيْها، فَهم أعْرَضُوا عَنْها حَتّى صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها.