Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:120-122
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ قالُوا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ غَيْرَهم ألْقاهم ساجِدِينَ، وما ذاكَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ. فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى. قالَ مُقاتِلٌ: ألْقاهُمُ اللَّهُ تَعالى ساجِدِينَ. وقالَ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا شاهَدُوا الآياتِ العَظِيمَةَ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ، فَصارَ كَأنَّ مُلْقِيًا ألْقاهم.
الثّانِي: قالَ الأخْفَشُ: مِن سُرْعَةِ ما سَجَدُوا صارُوا كَأنَّهم ألْقاهم غَيْرُهم؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ وقَعُوا ساجِدِينَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ أنَّهُ ألْقاهم مُلْقٍ إلى السُّجُودِ، إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ المُلْقِي هو أنْفُسُهم.
والجَوابُ: أنَّ خالِقَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ في قُلُوبِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وإلّا لافْتَقَرُوا في خَلْقِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ إلى داعِيَةٍ أُخْرى، ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ. ثُمَّ إنَّ أصْلَ تِلْكَ القُدْرَةِ مَعَ تِلْكَ الدّاعِيَةِ الجازِمَةِ تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ. وخالِقُ ذَلِكَ المُوجِبُ هو اللَّهُ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ والأثَرُ مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ أعْلَمُ.