Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:115-119
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ فالمَعْنى: أنَّ العَوامَّ خافُوا مِن حَرَكاتِ تِلْكَ الحِبالِ والعِصِيِّ. قالَ المُبَرِّدُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أرْهَبُوهم، والسِّينُ زائِدَةٌ. قالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعُوا رَهْبَةَ النّاسِ حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ، وذَلِكَ بِأنْ بَعَثُوا جَماعَةً يُنادُونَ عِنْدَ إلْقاءِ ذَلِكَ: أيُّها النّاسُ احْذَرُوا ! فَهَذا هو الِاسْتِرْهابُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ خُيِّلَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ مِثْلُ عَصا مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ ﴿أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّ هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كانَ عَلى ثِقَةٍ ويَقِينٍ مِن أنَّ القَوْمَ لَمْ يُغالِبُوهُ، وهو عالِمٌ بِأنَّ ما أتَوْا بِهِ عَلى وجْهِ المُعارَضَةِ فَهو مِن بابِ السِّحْرِ والباطِلِ، ومَعَ هَذا الجَزْمِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الخَوْفِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ [طه: ٦٧] .
قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الخِيفَةَ إنَّما حَصَلَتْ لِأجْلِ هَذا السَّبَبِ، بَلْ لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن وُقُوعِ التَّأْخِيرِ في ظُهُورِ حُجَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سِحْرِهِمْ.