Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:107-110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ الفَلاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ وهو أنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلى الإطْلاقِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا يَجُوزُ حُدُوثُ هَذِهِ الأشْياءِ ودُخُولُها في الوُجُودِ إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ المَخْصُوصِ والطَّرِيقِ المُعَيَّنِ، وقالُوا: وبِهَذا الطَّرِيقِ دَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا التِزامَ الجَهالاتِ الَّتِي ذَكَرْناها والمُحالاتِ الَّتِي شَرَحْناها، واعْلَمْ أنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ لَهم، إلّا أنَّهم في الحَقِيقَةِ يَلْزَمُهم ذَلِكَ لُزُومًا لا دافِعَ لَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ الَّتِي تَحْدُثُ في عالَمِنا هَذا إمّا أنْ تَحْدُثَ لا لِمُؤَثِّرٍ أوْ لِمُؤَثِّرٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ: فالقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ لازِمٌ؛ أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَحْدُثُ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَهَذا القَوْلُ باطِلٌ في صَرِيحِ العَقْلِ، إلّا أنَّ مَعَ تَجْوِيزِهِ فالإلْزامُ المَذْكُورُ لازِمٌ؛ لِأنّا إذا جَوَّزْنا حُدُوثَ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ ولا عَنْ مُوجِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الأمانُ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ إنْسانٍ لا عَنِ الأبَوَيْنِ، ومِن تَجْوِيزِ انْقِلابِ الجَبَلِ ذَهَبًا والبَحْرِ دَمًا ؟ فَإنَّ تَجْوِيزَ حُدُوثِ بَعْضِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ لَيْسَ أبْعَدَ عِنْدَ العَقْلِ مِن تَجْوِيزِ حُدُوثِ سائِرِ الأشْياءِ لا عَنْ مُؤَثِّرٍ، فَثَبَتَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنَّ الإلْزامَ المَذْكُورَ لازِمٌ. أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي وهو إثْباتُ مُؤَثِّرٍ ومُدَبِّرٍ لِهَذا العالَمِ فَذَلِكَ المُؤَثِّرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ وإمّا أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ.