Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:68-69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا يُبالِغُونَ في السَّفاهَةِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ في اليَوْمِ الثّانِي كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] فَلَمّا كانَ مِن عادَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ العَوْدُ إلى تَجْدِيدِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ ساعَةٍ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فَقالَ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ وأمّا هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُثَبَّتًا في تِلْكَ النَّصِيحَةِ مُسْتَقِرًّا فِيها. أمّا لَيْسَ فِيها إعْلامٌ بِأنَّهُ سَيَعُودُ إلى ذِكْرِها حالًا فَحالًا ويَوْمًا فَيَوْمًا، وأمّا الفَرْقُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ وهو أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهُودًا وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أمِينًا، فالفَرْقُ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْلى شَأْنًا وأعْظَمَ مَنصِبًا في النُّبُوَّةِ مِن هُودٍ، فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يُقالَ: إنَّ نُوحًا كانَ يَعْلَمُ مِن أسْرارِ حُكْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ هُودٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمْسَكَ هُودٌ لِسانَهُ عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الكَلِمَةِ، واقْتَصَرَ عَلى أنَّ وصْفَ نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ أمِينًا، ومَقْصُودٌ مِنهُ أُمُورٌ:
أحَدُها: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ .