Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:59-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وبَيْنَ النَّصِيحَةِ هو أنَّ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ مَعْناهُ: أنْ يُعَرِّفَهم أنْواعَ تَكالِيفِ اللَّهِ وأقْسامَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وأمّا النَّصِيحَةُ: فَهو أنَّهُ يُرَغِّبُهُ في الطّاعَةِ، ويُحَذِّرُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ويَسْعى في تَقْرِيرِ ذَلِكَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِأبْلَغِ الوُجُوهِ، وقَوْلُهُ: ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَمَّلَهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الرِّسالَةِ. وهي أقْسامُ التَّكالِيفِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وشَرْحُ مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ في الآخِرَةِ، ومَقادِيرِ الحُدُودِ والزَّواجِرِ في الدُّنْيا، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ: نَصَحْتُكَ، إنَّما تَقُولُ: نَصَحْتُ لَكَ، ويَجُوزُ أيْضًا نَصَحْتُكَ. قالَ النّابِغَةُ:
نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا رَسُولِي ولَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ رَسائِلِي
وحَقِيقَةُ النُّصْحِ الإرْسالُ إلى المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ، والمَعْنى: أنِّي أُبَلِّغُ إلَيْكم تَكالِيفَ اللَّهِ، ثُمَّ أُرْشِدُكم إلى الأصْوَبِ الأصْلَحِ، وأدْعُوكم إلى ما دَعانِي، وأُحَبِّبُ إلَيْكم ما أُحِبَّهُ لِنَفْسِي.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وأعْلَمُ أنَّكم إنْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ عاقَبَكم بِالطُّوفانِ.
الثّانِي: وأعْلَمُ أنَّهُ يُعاقِبُكم في الآخِرَةِ عِقابًا شَدِيدًا خارِجًا عَمّا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُكم.