Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:59-62
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الإلَهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إثْباتٌ ونَفْيٌ، فَيَجِبُ أنْ يَتَوارَدا عَلى مَفْهُومٍ واحِدٍ حَتّى يَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَكانَ المَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن مَعْبُودٍ غَيْرُهُ، حَتّى يَتَطابَقَ النَّفْيُ والإثْباتُ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ الإلَهَ لَيْسَ هو المَعْبُودَ، وإلّا لَوَجَبَ كَوْنُ الأصْنامِ آلِهَةً، وأنْ لا يَكُونَ الإلَهُ إلَهًا في الأزَلِ لِأجْلِ أنَّهُ في الأزَلِ غَيْرُ مَعْبُودٍ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ الإلَهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ هَلْ هو اليَقِينُ، أوِ الخَوْفُ بِمَعْنى الظَّنِّ والشَّكِّ ؟ قالَ قَوْمٌ: المُرادُ مِنهُ الجَزْمُ واليَقِينُ؛ لِأنَّهُ كانَ جازِمًا بِأنَّ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ الدِّينَ. وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ الشَّكُّ وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إنَّما قالَ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ لِأنَّهُ جَوَّزَ أنْ يُؤْمِنُوا كَما جَوَّزَ أنْ يَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، ومَعَ هَذا التَّجْوِيزِ لا يَكُونُ قاطِعًا بِنُزُولِ العَذابِ، فَوَجَبَ أنْ يَذْكُرَهُ بِلَفْظِ الخَوْفِ.