Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:57-58
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثامِنُها: أنَّ هَذِهِ الرِّياحَ تارَةً تَصْعَدُ مِن قَعْرِ الأرْضِ، فَإنَّ مَن رَكِبَ البَحْرَ يُشاهِدُ أنَّ البَحْرَ يَحْصُلُ غَلَيانٌ شَدِيدٌ فِيهِ بِسَبَبِ تَوَلُّدِ الرِّياحِ في قَعْرِ البَحْرِ إلى ما فَوْقَ البَحْرِ، وحِينَئِذٍ يَعْظُمُ هُبُوبُ الرِّياحِ في وجْهِ البَحْرِ، وتارَةً يُنْزِلُ الرِّيحَ مِن جِهَةِ فَوْقٍ. فاخْتِلافُ الرِّياحِ بِسَبَبِ هَذِهِ المَعانِي أيْضًا عَجِيبٌ.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الرِّياحُ ثَمانٍ: أرْبَعَةٌ مِنها عَذابٌ، وهو القاصِفُ، والعاصِفُ، والصَّرْصَرُ، والعَقِيمُ، وأرْبَعَةٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ، والمُبَشِّراتُ، والمُرْسَلاتُ، والذّارِياتُ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» “ والجَنُوبُ مِن رِيحِ الجَنَّةِ. وعَنْ كَعْبٍ: لَوْ حَبَسَ اللَّهُ الرِّيحَ عَنْ عِبادِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لَأنْتَنَ أكْثَرُ الأرْضِ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ الرِّياحَ فَيَأْتِي بِالسَّحابِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ثُمَّ يَفْتَحُ أبْوابَ السَّماءِ فَيُسِيلُ الماءَ عَلى السَّحابِ ثُمَّ يُمْطِرُ السَّحابَ بَعْدَ ذَلِكَ، ورَحْمَتُهُ هو المَطَرُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتِلافُ الرِّياحِ في الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، مَعَ أنَّ طَبِيعَةَ الهَواءِ واحِدَةٌ، وتَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ واحِدَةٌ، يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ لَمْ تَحْصُلْ إلّا بِتَدْبِيرِ الفاعِلِ المُخْتارِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
* * *
صفحة ١١٦