Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:55-56
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ ضُمِّنا قَبْرًا بِمَرْوَ عَلى الطَّرِيقِ الواضِحِ
صفحة ١١٢
قِيلَ: أرادَ بِالسَّماحَةِ السَّخاءَ وبِالمُرُوءَةِ الكَرَمَ. والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ذاتُ مَكانٍ قَرِيبٍ مِنَ المُحْسِنِينَ، كَما قالُوا: حائِضٌ ولابِنٌ وتامِرٌ أيْ ذاتُ حَيْضٍ ولَبَنٍ وتَمْرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: أخْبَرَنِي العَرُوضِيُّ عَنِ الأزْهَرِيِّ عَنِ المُنْذِرِيِّ عَنِ الحَرّانِيِّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ قالَ: تَقُولُ العَرَبُ: هو قَرِيبٌ مِنِّي وهُما قَرِيبٌ مِنِّي وهم قَرِيبٌ مِنِّي وهي قَرِيبٌ مِنِّي؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ هو في مَكانٍ قَرِيبٍ مِنِّي، وقَدْ يَجُوزُ أيْضًا قَرِيبَةٌ وبَعِيدَةٌ تَنْبِيهًا عَلى مَعْنى قَرَبَتْ وبَعُدَتْ بِنَفْسِها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: تَفْسِيرُ هَذا القُرْبِ هو أنَّ الإنْسانَ يَزْدادُ في كُلِّ لَحْظَةٍ قُرْبًا مِنَ الآخِرَةِ، وبُعْدًا مِنَ الدُّنْيا، فَإنَّ الدُّنْيا كالماضِي، والآخِرَةَ كالمُسْتَقْبَلِ، والإنْسانُ في كُلِّ ساعَةٍ ولَحْظَةٍ ولَمْحَةٍ يَزْدادُ بُعْدًا عَنِ الماضِي، وقُرْبًا مِنَ المُسْتَقْبَلِ. ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:
فَلا زالَ ما تَهْواهُ أقْرَبُ مِن غَدِ ∗∗∗ ولا زالَ ما تَخْشاهُ أبْعَدُ مِن أمْسِ
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الدُّنْيا تَزْدادُ بُعْدًا في كُلِّ ساعَةٍ، وأنَّ الآخِرَةَ تَزْدادُ قُرْبًا في كُلِّ ساعَةٍ، وثَبَتَ أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ إنَّما تَحْصُلُ بَعْدَ المَوْتِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ بِناءً عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.