Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:55-56
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ أيِ المُجاوِزِينَ ما أُمِرُوا بِهِ. قالَ الكَلْبِيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: مِنَ الِاعْتِداءِ رَفْعُ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ونَهْيَهُ، فَقَدِ اعْتَدى وتَعَدّى، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ مَن لا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَإنَّهُ يُعَذِّبُهُ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ مُعاقَبًا. والمُعْتَزِلَةُ تُمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وقالُوا لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنهُ الِاعْتِداءُ في رَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ ”المُعْتَدِينَ“ لَفْظٌ عامٌّ دَخَلَهُ الألِفُ واللّامُ، فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، غايَتُهُ أنَّهُ إنَّما ورَدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَكِنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
الثّانِي: أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالدُّعاءِ لَيْسَ مِنَ المُحَرَّماتِ بَلْ غايَتُهُ أنْ يُقالَ: الأوْلى تَرْكُهُ، وإذا لَمْ يَكُنْ مِنَ المُحَرَّماتِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذا الوَعِيدِ.
والجَوابُ المُسْتَقْصى ما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ العُمُوماتِ لا يُفِيدُ القَطْعَ بِالوَعِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ: