Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:55-56
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ الدُّعاءَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العِبادَةِ، والأسْئِلَةُ المَذْكُورَةُ وارِدَةٌ في جَمِيعِ أنْواعِ العِباداتِ، فَإنَّهُ يُقالُ إنْ كانَ هَذا الإنْسانُ سَعِيدًا في عِلْمِ اللَّهِ فَلا حاجَةَ إلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وإنْ كانَ شَقِيًّا في عِلْمِهِ فَلا فائِدَةَ في تِلْكَ العِباداتِ، وأيْضًا يُقالُ وجَبَ أنْ لا يُقْدِمَ الإنْسانُ عَلى أكْلِ الخُبْزِ وشُرْبِ الماءِ لِأنَّهُ إنْ كانَ هَذا الإنْسانُ شَبْعانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلا حاجَةَ إلى أكْلِ الخُبْزِ، وإنْ كانَ جائِعًا فَلا فائِدَةَ في أكْلِ الخُبْزِ، وكَما أنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ هَهُنا، فَكَذا فِيما ذَكَرُوهُ، بَلْ نَقُولُ: الدُّعاءُ يُفِيدُ مَعْرِفَةَ ذِلَّةِ العُبُودِيَّةِ ويُفِيدُ مَعْرِفَةَ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذا هو المَقْصُودُ الأشْرَفُ الأعْلى مِن جَمِيعِ العِباداتِ، وبَيانُهُ أنَّ الدّاعِيَ لا يُقْدِمُ عَلى الدُّعاءِ إلّا إذا عَرَفَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ وكَوْنَهُ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِهِ وعَرَفَ مِن رَبِّهِ وإلَهِهِ أنَّهُ يَسْمَعُ دُعاءَهُ، ويَعْلَمُ حاجَتَهُ وهو قادِرٌ عَلى دَفْعِ تِلْكَ الحاجَةِ وهو رَحِيمٌ تَقْتَضِي رَحْمَتُهُ إزالَةَ تِلْكَ الحاجَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو لا يُقْدِمُ عَلى الدُّعاءِ إلّا إذا عَرَفَ كَوْنَهُ مَوْصُوفًا بِالحاجَةِ وبِالعَجْزِ وعَرَفَ كَوْنَ الإلَهِ سُبْحانَهُ مَوْصُوفًا بِكَمالِ العِلْمِ والقُدْرَةِ والرَّحْمَةِ، فَلا مَقْصُودَ مِن جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلّا مَعْرِفَةُ ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، فَإذا كانَ الدُّعاءُ مُسْتَجْمِعًا لِهَذَيْنِ المَقامَيْنِ لا جَرَمَ كانَ الدُّعاءُ أعْظَمَ أنْواعِ العِباداتِ.