Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثامِنُها: أنَّ السَّماءَ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما ارْتَفَعَ وسَما وعَلا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى سَمّى السَّحابَ سَماءً حَيْثُ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنْفالِ: ١١] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكُلُّ ما لَهُ ارْتِفاعٌ وعُلُوٌّ وسُمُوٌّ كانَ سَماءً، فَلَوْ كانَ إلَهُ العالَمِ مَوْجُودًا فَوْقَ العَرْشِ، لَكانَ ذاتُ الإلَهِ تَعالى سَماءً لِساكِنِي العَرْشِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ فَوْقَ العَرْشِ لَكانَ سَماءً، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِ خالِقًا لِكُلِّ السَّماواتِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها هَذِهِ الآيَةُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَلَوْ كانَ فَوْقَ العَرْشِ سَماءً لِسُكّانِ أهْلِ العَرْشِ لَكانَ خالِقًا لِنَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي يَجِبُ تَأْوِيلُها، وهَذِهِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، ونَظِيرُ هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ﴾ [الأنْعامِ: ٣] ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنْعامِ: ١٢] فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ المُتَأخِّرَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ فَهو مِلْكٌ لِلَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ في السَّماواتِ لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وذَلِكَ مُحالٌ فَكَذا هَهُنا.