Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: أوَّلُ الآيَةِ إشارَةٌ إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الوُجُودِ والقُدْرَةِ والعِلْمِ، وآخِرُها يَدُلُّ أيْضًا عَلى هَذا المَطْلُوبِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا دَلِيلًا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بَلْ كانَ المُرادُ كَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ كانَ ذَلِكَ كَلامًا أجْنَبِيًّا عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُسْتَقِرًّا عَلى العَرْشِ لا يُمْكِنُ جَعْلُهُ دَلِيلًا عَلى كَمالِهِ في القُدْرَةِ والحِكْمَةِ، ولَيْسَ أيْضًا مِن صِفاتِ المَدْحِ والثَّناءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُجْلِسَ جَمِيعَ أعْدادِ البَقِّ والبَعُوضِ عَلى العَرْشِ وعَلى ما فَوْقَ العَرْشِ، فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ جالِسًا عَلى العَرْشِ لَيْسَ مِن دَلائِلِ إثْباتِ الصِّفاتِ والذّاتِ ولا مِن صِفاتِ المَدْحِ والثَّناءِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ كَوْنَهُ جالِسًا عَلى العَرْشِ لَكانَ ذَلِكَ كَلامًا أجْنَبِيًّا عَمّا قَبْلَهُ وعَمّا بَعْدَهُ، وهَذا يُوجِبُ نِهايَةَ الرَّكاكَةِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ مِنهُ لَيْسَ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ كَمالُ قُدْرَتِهِ في تَدابِيرِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ حَتّى تَصِيرَ هَذِهِ الكَلِمَةُ مُناسِبَةً لِما قَبْلَها ولِما بَعْدَها وهو المَطْلُوبُ.