Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: وهي حُجَّةٌ اسْتِقْرائِيَّةٌ اعْتِبارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ جِدًّا، وهي أنّا رَأيْنا أنَّ الشَّيْءَ كُلَّما كانَ حُصُولُ مَعْنى الجِسْمِيَّةِ فِيهِ أقْوى وأثْبَتَ، كانَتِ القُوَّةُ الفاعِلِيَّةُ فِيهِ أضْعَفَ وأنْقَصَ، وكُلَّما كانَ حُصُولُ مَعْنى الجِسْمِيَّةِ فِيهِ أقَلَّ وأضْعَفَ، كانَ حُصُولُ القُوَّةِ الفاعِلِيَّةِ أقْوى وأكْمَلَ، وتَقْرِيرُهُ أنْ نَقُولَ: وجَدْنا الأرْضَ أكْثَفَ الأجْسامِ وأقْواها حَجْمِيَّةً، فَلا جَرَمَ لَمْ يَحْصُلْ فِيها إلّا خاصَّةَ قَبُولِ الأثَرِ فَقَطْ، فَأمّا أنْ يَكُونَ لِلْأرْضِ الخالِصَةِ تَأْثِيرٌ في غَيْرِهِ فَقَلِيلٌ جِدًّا. وأمّا الماءُ فَهو أقَلُّ كَثافَةً وحَجْمِيَّةً مِنَ الأرْضِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَتْ فِيهِ قُوَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ، فَإنَّ الماءَ الجارِيَ بِطَبْعِهِ إذا اخْتَلَطَ بِالأرْضِ أثَّرَ فِيها أنْواعًا مِنَ التَّأْثِيراتِ. وأمّا الهَواءُ، فَإنَّهُ أقَلُّ حَجْمِيَّةً وكَثافَةً مِنَ الماءِ، فَلا جَرَمَ كانَ أقْوى عَلى التَّأْثِيرِ مِنَ الماءِ، فَلِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم أنَّ الحَياةَ لا تَكْمُلُ إلّا بِالنَّفَسِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا مَعْنى لِلرُّوحِ إلّا الهَواءُ المُسْتَنْشَقُ. وأمّا النّارُ، فَإنَّها أقَلُّ كَثافَةً مِنَ الهَواءِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أقْوى الأجْسامِ العُنْصُرِيَّةِ عَلى التَّأْثِيرِ فَبِقُوَّةِ الحَرارَةِ يَحْصُلُ الطَّبْخُ والنُّضْجُ، وتَكُونُ المَوالِيدُ الثَّلاثَةُ أعْنِي المَعادِنَ والنَّباتَ والحَيَوانَ. وأمّا الأفْلاكُ، فَإنَّها ألْطَفُ مِنَ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هي المُسْتَوْلِيَةَ عَلى مِزاجِ الأجْرامِ العُنْصُرِيَّةِ بَعْضِها البَعْضِ وتَوْلِيدِ الأنْواعِ والأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ مِن تِلْكَ التَّمْزِيجاتِ.