Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إمّا أنْ نَقُولَ: أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وحاصِلٌ في حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ، وإمّا أنْ لا نَقُولَ ذَلِكَ، فَإنْ قُلْنا بِالأوَّلِ كانَ البُعْدُ الحاصِلُ بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ مَحْدُودًا بَيْنَ ذَيْنِكَ الحَدَّيْنِ، والبُعْدُ المَحْصُورُ بَيْنَ الحاصِرَيْنِ لا يُعْقَلُ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ غَيْرَ مُتَناهٍ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الحَدِّ والقَطْعِ والطَّرَفِ، وكَوْنُهُ مَحْصُورًا بَيْنَ الحاصِرَيْنِ مَعْناهُ إثْباتُ الحَدِّ والقَطْعِ والطَّرَفِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُوجِبُ الجَمْعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مُحالٌ. ونَظِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ: أنّا مَتى عَيَّنّا قَبْلَ العالَمِ وقْتًا مُعَيَّنًا كانَ البُعْدُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَقْتِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ أوَّلُ العالَمِ بُعْدًا مُتَناهِيًا لا مَحالَةَ. وأمّا إنْ قُلْنا بِالقِسْمِ الثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ وغَيْرُ حاصِلٍ في جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهَذا عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ في الجِهَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الذّاتِ المُعَيَّنَةِ حاصِلَةً لا في جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ في نَفْسِها قَوْلٌ مُحالٌ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: الأزَلُ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ وقْتٍ مُعَيَّنٍ بَلْ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الأوَّلِيَّةِ والحُدُوثِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ الهَيْثَمِ تَخْيِيلٌ خالٍ عَنِ التَّحْصِيلِ.