Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ كانَ تَعالى مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ لَكُنّا إذا فَرَضْنا وُصُولَ إنْسانٍ إلى طَرَفِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وحاوَلَ الدُّخُولَ فِيهِ. فَإمّا أنْ يُمْكِنَهُ النُّفُوذُ والدُّخُولُ فِيهِ أوْ لا يُمْكِنَهُ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ كالهَواءِ اللَّطِيفِ، والماءِ اللَّطِيفِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قابِلًا لِلتَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ. وإنْ كانَ الثّانِي كانَ صُلْبًا كالحَجَرِ الصَّلْدِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ النُّفُوذُ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وحَيِّزٍ وجِهَةٍ لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ رَقِيقًا سَهْلَ التَّفَرُّقِ والتَّمَزُّقِ كالماءِ والهَواءِ، وإمّا أنْ يَكُونَ صُلْبًا جاسِئًا كالحَجَرِ الصَّلْدِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ إثْباتَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في حَقِّ الإلَهِ تَعالى كُفْرٌ وإلْحادٌ في صِفَتِهِ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ وجِهَةٍ، لَكانَ إمّا أنْ يَكُونَ نُورانِيًّا وظُلْمانِيًّا، وجُمْهُورُ المُشَبِّهَةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ نُورٌ مَحْضٌ؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ النُّورَ شَرِيفٌ والظُّلْمَةَ خَسِيسَةٌ، إلّا أنَّ الِاسْتِقْراءَ العامَّ دَلَّ عَلى أنَّ الأشْياءَ النُّورانِيَّةَ رَقِيقَةٌ لا تَمْنَعُ النّافِذَ مِنَ النُّفُوذِ فِيها، والدُّخُولِ فِيما بَيْنَ أجْزائِها.