Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأيْضًا لَوْ جازَ القَوْلُ بِأنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى مُخْتَصَّةٌ بِبَعْضِ الأحْيازِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ ؟ فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الأجْسامِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ الأحْيازِ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ اسْمٌ لا يَكُونُ قابِلًا لِلْحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَلا يَجْرِي فِيهِ دَلِيلُ حُدُوثِ الأجْسامِ، والقائِلُ بِهَذا القَوْلِ لا يُمْكِنُهُ إقامَةُ الدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِ كُلِّ الأجْسامِ بِطَرِيقِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والكَرّامِيَّةُ وافَقُونا عَلى أنَّ تَجْوِيزَ هَذا يُوجِبُ الكُفْرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البُرْهانُ السّادِسُ: لَوْ كانَ البارِي تَعالى حاصِلًا في الحَيِّزِ والجِهَةِ لَكانَ مُشارًا إلَيْهِ بِحَسَبِ الحِسِّ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإمّا أنْ لا يَقْبَلَ القِسْمَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإمّا أنْ يَقْبَلَ القِسْمَةَ.
فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ تَعالى يُمْكِنُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الحِسِّ، مَعَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ المِقْدارِيَّةَ البَتَّةَ، كانَ ذَلِكَ نُقْطَةً لا تَنْقَسِمُ، وجَوْهَرًا فَرْدًا لا يَنْقَسِمُ، فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ الصِّغَرِ والحَقارَةِ، وهَذا باطِلٌ بِإجْماعِ جَمِيعِ العُقَلاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعالى في الجِهَةِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعالى كَذَلِكَ، والَّذِينَ يُثْبِتُونَ كَوْنَهُ تَعالى في الجِهَةِ يُنْكِرُونَ كَوْنَهُ تَعالى في الصِّغَرِ والحَقارَةِ مِثْلَ الجُزْءِ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا بِإجْماعِ العُقَلاءِ باطِلٌ.