Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:46-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ قَوْمٌ: إنَّهم يَعْرِفُونَ أهْلَ الجَنَّةِ بِكَوْنِ وُجُوهِهِمْ ضاحِكَةً مُسْتَبْشِرَةً، وأهْلَ النّارِ بِسَوادِ وُجُوهِهِمْ وزُرْقَةِ عُيُونِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى خَصَّ أهْلَ الأعْرافِ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ كُلَّ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ بِسِيماهم، ولَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَما بَقِيَ لِأهْلِ الأعْرافِ اخْتِصاصٌ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الأحْوالَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ومِن أهْلِ النّارِ، ولَمّا بَطَلَ هَذا الوَجْهُ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾ هو أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ في الدُّنْيا أهْلَ الخَيْرِ والإيمانِ والصَّلاحِ، وأهْلَ الشَّرِّ والكُفْرِ والفَسادِ. وهم كانُوا في الدُّنْيا شُهَداءَ اللَّهِ عَلى أهْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ وعَلى أهْلِ الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَهو تَعالى يُجْلِسُهم عَلى الأعْرافِ -وهِيَ الأمْكِنَةُ العالِيَةُ الرَّفِيعَةُ- لِيَكُونُوا مُطَّلِعِينَ عَلى الكُلِّ
صفحة ٧٣
يَشْهَدُونَ عَلى كُلِّ أحَدٍ بِما يَلِيقُ بِهِ، ويَعْرِفُونَ أنَّ أهْلَ الثَّوابِ وصَلُوا إلى الدَّرَجاتِ، وأهْلَ العِقابِ إلى الدِّرْكاتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ باطِلَةٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ أيْ: لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ وهم يَطْمَعُونَ في دُخُولِها، وهَذا الوَصْفُ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ، والمَلائِكَةِ والشُّهَداءِ.