Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:42-43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، حَتّى يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن تَبَرِّي بَعْضِ أهْلِ النّارِ مِن بَعْضٍ، ولَعْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لِيُعْلَمَ أنَّ حالَ أهْلِ الجَنَّةِ في هَذا المَعْنى أيْضًا مُفارِقَةٌ لِحالِ أهْلِ النّارِ.
فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يُشاهِدَ الإنْسانُ النِّعَمَ العَظِيمَةَ، والدَّرَجاتِ العالِيَةَ، ويَرى نَفْسَهُ مَحْرُومًا عَنْها عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِها، ثُمَّ إنَّهُ لا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْها، ولا يَغْتَمُّ بِسَبَبِ الحِرْمانِ عَنْها، فَإنْ عُقِلَ ذَلِكَ، فَلِمَ لا يُعْقَلُ أيْضًا أنْ يُعِيدَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ولا يَخْلُقَ فِيهِمْ شَهْوَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ، ويُغْنِيَهم عَنْها ؟
قُلْنا: الكُلُّ مُمْكِنٌ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ، إلّا أنَّهُ تَعالى وعَدَ بِإزالَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ عَنِ القُلُوبِ، وما وعَدَ بِإزالَةِ شَهْوَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ عَنِ النُّفُوسِ، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ البابَيْنِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى كَما خَلَّصَهم مِن رِبْقَةِ الحِقْدِ والحَسَدِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ الزِّيادَةِ فَقَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّذّاتِ العَظِيمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، وأنْواعِ المُكاشَفاتِ والسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ.
صفحة ٦٧