Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:38-40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ، فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كُلٍّ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ لِلْمُخاطَبِينَ فَهو اسْمٌ ظاهِرٌ مَوْضُوعٌ لِلْغَيْبَةِ، فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى، وأمّا الباقُونَ فَقَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والمَعْنى: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ: ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا ما مِقْدارُ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أيْ: حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العَذابِ ضِعْفُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ ذَلِكَ، فَما مَعْنى كَوْنِهِ ضِعْفًا ؟
والجَوابُ: أنَّ عَذابَ الكُفّارِ يَزِيدُ، فَكُلُّ ألَمٍ يَحْصُلُ فَإنَّهُ يَعْقُبُهُ حُصُولُ ألَمٍ آخَرَ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الآلامُ مُتَضاعِفَةً مُتَزايِدَةً لا إلى آخِرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُخْراهم كَما خاطَبَتْ أُولاهم، فَكَذَلِكَ تُجِيبُ أُولاهم أُخْراهم، فَقالَ: ﴿وقالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: في تَرْكِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وإنّا مُتَشارِكُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ.