Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:21-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ وأقْسَمَ لَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ.
فَإنْ قِيلَ: المُقاسَمَةُ أنْ تُقْسِمَ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمَ لَكَ. تَقُولُ: قاسَمْتُ فُلانًا؛ أيْ: حالَفَتْهُ، وتَقاسَما تَحالَفا ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ (النَّمْلِ: ٤٩) .
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ أنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَكُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ. وقالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ ؟ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم.
والثّانِي: أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ، وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها.
الثّالِثُ: إنَّهُ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيهِ اجْتِهادَ المُقاسِمِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ قَتادَةُ: حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ حَتّى خَدَعَهُما، وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ قالَ إبْلِيسُ: إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَكُما، وأنا أعْلَمُ أحْوالًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ لا تَعْرِفانِها، فامْتَثِلا قَوْلِي أُرْشِدْكُما.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ وذَكَرَ أبُو مَنصُورٍ الأزْهَرِيُّ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أصْلُها الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي رِجْلَيْهِ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ. فَيُقالُ: دَلّاهُ إذا أطْمَعَهُ.