Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في ذِكْرِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها مُخْتَصٌّ بِنَوْعٍ مِنَ الآفَةِ في الدِّينِ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أحَدُها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي أُشَكِّكُهم في صِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ أُلْقِي إلَيْهِمْ أنَّ الدُّنْيا قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ.
وثانِيها: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ والمَعْنى أُفَتِّرُهم عَنِ الرَّغْبَةِ في سَعاداتِ الآخِرَةِ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي أُقَوِّي رَغْبَتَهم في لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها وأُحَسِّنُها في أعْيُنِهِمْ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ الآخِرَةُ؛ لِأنَّهم يَرِدُونَ عَلَيْها ويَصِلُونَ إلَيْها، فَهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وإذا كانَتِ الآخِرَةُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ كانَتِ الدُّنْيا خَلْفَهم؛ لِأنَّهم يَخْلُفُونَها.
وثالِثُها: وهو قَوْلُ الحاكِمِ والسُّدِّيِّ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي الدُّنْيا ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الآخِرَةَ، وإنَّما فَسَّرْنا ﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ بِالدُّنْيا، لِأنَّها بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ يَسْعى فِيها ويُشاهِدُها، وأمّا الآخِرَةُ فَهي تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ.