Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:12-13
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ طَلَبَ الدّاعِيَ الَّذِي دَعاهُ إلى تَرْكِ السُّجُودِ، فَحَكى تَعالى عَنْ إبْلِيسَ ذِكْرَ ذَلِكَ الدّاعِي، وهو أنَّهُ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ومَعْناهُ: إنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنَّما لَمْ أسْجُدْ لِآدَمَ؛ لِأنِّي خَيْرٌ مِنهُ، ومَن كانَ خَيْرًا مِن غَيْرِهِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أمْرُ ذَلِكَ الأكْمَلِ بِالسُّجُودِ لِذَلِكَ الأدْوَنِ، ثُمَّ بَيَّنَ المُقَدِّمَةَ الأُولى وهو قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ بِأنْ قالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ والنّارُ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، والمَخْلُوقُ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ، فَوَجَبَ كَوْنُ إبْلِيسَ خَيْرًا مِن آدَمَ. أمّا بَيانُ أنَّ النّارَ أفْضَلُ مِنَ الطِّينِ، فَلِأنَّ النّارَ مُشْرِقٌ عُلْوِيٌّ لَطِيفٌ خَفِيفٌ حارٌّ يابِسٌ مُجاوِرٌ لِجَواهِرِ السَّماواتِ مُلاصِقٌ لَها، والطِّينَ مُظْلِمٌ سُفْلِيٌّ كَثِيفٌ ثَقِيلٌ بارِدٌ يابِسٌ بَعِيدٌ عَنْ مُجاوَرَةِ السَّماواتِ، وأيْضًا فالنّارُ قَوِيَّةُ التَّأْثِيرِ والفِعْلِ، والأرْضُ لَيْسَ لَها إلّا القَبُولُ والِانْفِعالُ. والفِعْلُ أشْرَفُ مِنَ الِانْفِعالِ، وأيْضًا فالنّارُ مُناسِبَةٌ لِلْحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وهي مادَّةُ الحَياةِ، وأمّا الأرْضِيَّةُ والبَرَدُ واليُبْسُ فَهُما مُناسِبانِ لِلْمَوْتِ. والحَياةُ أشْرَفُ مِنَ المَوْتِ، وأيْضًا فَنُضْجُ الثِّمارِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَرارَةِ، وأيْضًا فَسِنُّ النُّمُوِّ مِنَ النَّباتِ لَمّا كانَ وقْتَ كَمالِ الحَرارَةِ كانَ غايَةُ كَمالِ الحَيَوانِ حاصِلًا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وأمّا وقْتُ الشَّيْخُوخَةِ، فَهو وقْتُ البَرْدِ واليُبْسِ المُناسِبُ، لا جَرَمَ كانَ هَذا الوَقْتُ أرْدَأ أوْقاتِ عُمُرِ الإنْسانِ. فَأمّا بَيانُ أنَّ المَخْلُوقَ مِنَ الأفْضَلِ أفْضَلُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ شَرَفَ الأُصُولِ يُوجِبُ شَرَفَ الفُرُوعِ.