Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:10
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ الخَلْقَ بِمُتابَعَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وبِقَبُولِ دَعَوْتِهِمْ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الدُّنْيا، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ ثُمَّ خَوَّفَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: السُّؤالُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾
والثّانِي: بِوَزْنِ الأعْمالِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ رَغَّبَهم في قَبُولِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ -عَلَيْهِمُ السَّلامُ- في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ كَثُرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وكَثْرَةُ النِّعَمِ تُوجِبُ الطّاعَةَ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وقَرارًا، ومَكَّنّاكم فِيها، وأقْدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها، وجَعَلَنا لَكم فِيها مَعايِشَ، والمُرادُ مِنَ المَعايِشِ: وُجُوهُ المَنافِعِ، وهي عَلى قِسْمَيْنِ: مِنها ما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً مِثْلَ خَلْقِ الثِّمارِ وغَيْرِها، ومِنها ما يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وكِلاهُما في الحَقِيقَةِ إنَّما حَصَلَ بِفَضْلِ اللَّهِ وإقْدارِهِ وتَمْكِينِهِ، فَيَكُونُ الكُلُّ إنْعامًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَثْرَةُ الإنْعامِ لا شَكَّ أنَّها تُوجِبُ الطّاعَةَ والِانْقِيادَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَعَ هَذا