Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 7:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ المُرادَ مِنهُ الحُرُوفُ، إلّا أنَّ الحُرُوفَ أعْراضٌ غَيْرُ باقِيَةٍ بِدَلِيلِ أنَّها مُتَوالِيَةٌ، وكَوْنُها مُتَوالِيَةً يُشْعِرُ بِعَدَمِ بَقائِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالعَرَضُ الَّذِي لا يَبْقى زَمانَيْنِ كَيْفَ يُعْقَلُ وصْفُهُ بِالنُّزُولِ.
والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى أحْدَثَ هَذِهِ الرُّقُومَ والنُّقُوشَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إنَّ المَلَكَ يُطالِعُ تِلْكَ النُّقُوشَ، ويَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ويُعَلِّمُ مُحَمَّدًا تِلْكَ الحُرُوفَ والكَلِماتِ، فَكانَ المُرادُ بِكَوْنِ تِلْكَ الحُرُوفِ نازِلَةً، هو أنَّ مُبَلِّغَها نَزَلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ مَكانًا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَلِمَةَ ”إلى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ مَسافَةٍ مَبْدَؤُها هو اللَّهُ تَعالى وغايَتُها مُحَمَّدٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِجِهَةِ فَوْقُ، لِأنَّ النُّزُولَ هو الِانْتِقالُ مِن فَوْقُ إلى أسْفَلُ.
وجَوابُهُ: لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ أنَّ المَكانَ والجِهَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ المَلَكَ انْتَقَلَ بِهِ مِنَ العُلُوِّ إلى أسْفَلَ.
* * *