Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:148-149
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ السّابِعُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وتَقْرِيرُهُ: أنَّهُمُ احْتَجُّوا في دَفْعِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنْ قالُوا: كُلُّ ما حَصَلَ فَهو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا شاءَ اللَّهُ مِنّا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا تَرْكُهُ ؟ وإذا كُنّا عاجِزِينَ عَنْ تَرْكِهِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ ؟ وهَلْ في وُسْعِنا وطاقَتِنا أنْ نَأْتِيَ بِفِعْلٍ عَلى خِلافِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَهَذا هو حُجَّةُ الكُفّارِ عَلى الأنْبِياءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أعْطاكم عُقُولًا كامِلَةً، وأفْهامًا وافِيَةً، وآذانًا سامِعَةً، وعُيُونًا باصِرَةً، وأقْدَرَكم عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وأزالَ الأعْذارَ والمَوانِعَ بِالكُلِّيَّةِ عَنْكم، فَإنْ شِئْتُمْ ذَهَبْتُمْ إلى عَمَلِ الخَيْراتِ، وإنْ شِئْتُمْ إلى عَمَلِ المَعاصِي والمُنْكَراتِ، وهَذِهِ القُدْرَةُ والمُكْنَةُ مَعْلُومَةُ الثُّبُوتِ بِالضَّرُورَةِ، وزَوالُ المَوانِعِ والعَوائِقِ مَعْلُومُ الثُّبُوتِ أيْضًا بِالضَّرُورَةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ادِّعاؤُكم أنَّكم عاجِزُونَ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ دَعْوى باطِلَةً، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّهُ لَيْسَ لَكم عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بالِغَةٌ، بَلْ لِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْكم.
صفحة ١٨٦