Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:133-134
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ، والأمْرُ كَذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ فَكُلُّ ما سِواهُ فَهو مِنهُ، والرَّحْمَةُ داخِلَةٌ فِيما سِواهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ الحَقِّ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ صِحَّةُ هَذا الحَصْرِ فَثَبَتَ أنَّهُ لا غَنِيَّ إلّا هو. فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يُمْكِنُنا إنْكارُ رَحْمَةِ الوالِدَيْنِ عَلى الوَلَدِ والمَوْلى عَلى عَبْدِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ أنْواعِ الرَّحْمَةِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ كُلَّها عِنْدَ التَّحْقِيقِ مِنَ اللَّهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى ألْقى في قَلْبِ هَذا الرَّحِيمِ داعِيَةَ الرَّحْمَةِ، لَما أقْدَمَ عَلى الرَّحْمَةِ، فَلَمّا كانَ مُوجِدُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ، كانَ الرَّحِيمُ هو اللَّهُ. ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الغَضَبِ عَلى إنْسانٍ قاسِي القَلْبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ رَءُوفًا رَحِيمًا عَطُوفًا؟ فانْقِلابُهُ مِنَ الحالَةِ الأُولى إلى الثّانِيَةِ لَيْسَ إلّا بِانْقِلابِ تِلْكَ الدَّواعِي، فَثَبَتَ أنَّ مُقَلِّبَ القُلُوبِ هو اللَّهُ تَعالى بِالبُرْهانِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وبِالقُرْآنِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ [الأنعام: ١١٠] فَثَبَتَ أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا مِنَ اللَّهِ.