Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ هَذا الِاسْتِمْتاعِ: أنَّ الإنْسَ كانُوا يُطِيعُونَ الجِنَّ ويَنْقادُونَ لِحُكْمِهِمْ فَصارَ الجِنُّ كالرُّؤَساءِ، والإنْسُ كالأتْباعِ والخادِمِينَ المُطِيعِينَ المُنْقادِينَ الَّذِينَ لا يُخالِفُونَ رَئِيسَهم ومَخْدُومَهم في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الرَّئِيسَ قَدِ انْتَفَعَ بِهَذا الخادِمِ، فَهَذا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ. وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ، فَهو أنَّ الجِنَّ كانُوا يَدُلُّونَهم عَلى أنْواعِ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ ويُسَهِّلُونَ تِلْكَ الأُمُورَ عَلَيْهِمْ، وهَذا القَوْلُ اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. قالَ: وهَذا أوْلى مِنَ الوَجْهِ المُتَقَدِّمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ ومَن كانَ يَقُولُ مِنَ الإنْسِ أعُوذُ بِسَيِّدِ هَذا الوادِي، قَلِيلٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ هو كَلامُ الإنْسِ خاصَّةً؛ لِأنَّ اسْتِمْتاعَ الجِنِّ بِالإنْسِ وبِالعَكْسِ أمْرٌ قَلِيلٌ نادِرٌ لا يَكادُ يَظْهَرُ. أمّا اسْتِمْتاعُ بَعْضِ الإنْسِ بِبَعْضٍ، فَهو أمْرٌ ظاهِرٌ. فَوَجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ كَلامُ الإنْسِ الَّذِينَ هم أوْلِياءُ الجِنِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ اسْتِمْتاعَ بَعْضِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِبَعْضٍ.