Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا فَنَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، فَيَكُونُ هَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، كَما أنَّهُ الحاشِرُ لِجَمِيعِهِمْ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ تَعالى بَعْدَ الحَشْرِ لا يَكُونُ إلّا تَبْكِيتًا وبَيانًا لِجِهَةِ أنَّهم وإنْ تَمَرَّدُوا في الدُّنْيا فَيَنْتَهِي حالُهم في الآخِرَةِ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ والِاعْتِرافِ بِالجُرْمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ فَيُقالُ لَهم يا مَعْشَرَ الجِنِّ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعالى بِنَفْسِهِ مَعَ الكُفّارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في صِفَةِ الكُفّارِ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ فَنَقُولُ: هَذا لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ. لِأنَّ الجِنَّ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِن نَفْسِ الإنْسِ؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الجِسْمِ وعَلى الإحْياءِ والفِعْلِ لَيْسَ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الدُّعاءِ إلى الضَّلالِ مَعَ مُصادَفَةِ القَبُولِ.