Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:127
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّشْرِيفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ والوَلِيُّ مَعْناهُ القَرِيبُ، فَقَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ اللَّهِ مِنهم، ولا نَرى في العَقْلِ دَرَجَةً لِلْعَبْدِ أعْلى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا ولِيَّ لَهم إلّا هو، وكَيْفَ وهَذا التَّشْرِيفُ إنَّما حَصَلَ عَلى التَّوْحِيدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ قَدْ عَرَفُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُدَبِّرَ والمُقَدِّرَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ النّافِعَ والضّارَّ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ المُسْعِدَ والمُشْقِيَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّهُ لا مُبْدِئَ لِلْكائِناتِ والمُمْكِناتِ إلّا هو، فَلَمّا عَرَفُوا هَذا انْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَما كانَ رُجُوعُهم إلّا إلَيْهِ، وما كانَ تَوَكُّلُهم إلّا عَلَيْهِ، وما كانَ أُنْسُهم إلّا بِهِ، وما كانَ خُضُوعُهم إلّا لَهُ، فَلَمّا صارُوا بِالكُلِّيَّةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ وهَذا إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيها الحِفْظُ والحِراسَةُ والمَعُونَةُ والنُّصْرَةُ وإيصالُ الخَيْراتِ ودَفْعُ الآفاتِ والبَلِيّاتِ.
* * *