Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:126
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وهَذا) إشارَةٌ إلى مَذْكُورٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: وهو الأقْوى عِنْدِي أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ وقَرَّرَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهو أنَّ الفِعْلَ يَتَوَقَّفُ عَلى الدّاعِي وحُصُولِ تِلْكَ الدّاعِيَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ كَوْنُ الفِعْلِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّوْحِيدَ المَحْضَ وهو كَوْنُهُ تَعالى مُبْدِئًا لِجَمِيعِ الكائِناتِ والمُمْكِناتِ، وإنَّما سَمّاهُ صِراطًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ الحَقِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا لِأنَّ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وذَلِكَ لِأنَّ رُجْحانَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجِّحِ لَزِمَ أنْ يُقالَ الفِعْلُ لا يَصْدُرُ عَنِ القادِرِ إلّا عِنْدَ انْضِمامِ الدّاعِي إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَتِمُّ قَوْلُنا ويَكُونُ الكُلُّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ويَبْطُلُ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وإمّا أنْ لا يَتَوَقَّفَ رُجْحانُ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ عَلى مُرَجِّحٍ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ هَذا الِاسْتِغْناءُ في كُلِّ المُمْكِناتِ والمُحْدَثاتِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصُّنْعِ والصّانِعِ، وإبْطالُ القَوْلِ بِالفِعْلِ والفاعِلِ والتَّأْثِيرِ والمُؤَثِّرِ. فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا الرُّجْحانَ يَحْتاجُ إلى المُؤَثِّرِ في بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ البَعْضِ كَما يَقُولُهُ هَؤُلاءِ المُعْتَزِلَةُ فَهو مُعْوَجٌّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، إنَّما المُسْتَقِيمُ هو الحُكْمُ بِثُبُوتِ الحاجَةِ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ يُوجِبُ عَيْنَ مَذْهَبِنا. فَهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.