Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:125
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ هَذِهِ الخُصُومَةِ ما حُكِيَ أنَّ الشَّيْخَ أبا الحَسَنِ الأشْعَرِيَّ لَمّا فارَقَ مَجْلِسَ أُسْتاذِهِ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ وتَرَكَ مَذْهَبَهُ وكَثُرَ اعْتِراضُهُ عَلى أقاوِيلِهِ عَظُمَتِ الوَحْشَةُ بَيْنَهُما فاتَّفَقَ أنَّ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ عَقَدَ الجُبّائِيُّ مَجْلِسَ التَّذْكِيرِ وحَضَرَ عِنْدَهُ عالَمٌ مِنَ النّاسِ، وذَهَبَ الشَّيْخُ أبُو الحَسَنِ إلى ذَلِكَ المَجْلِسِ، وجَلَسَ في بَعْضِ الجَوانِبِ مُخْتَفِيًا عَنِ الجُبّائِيِّ، وقالَ لِبَعْضِ مَن حَضَرَ هُناكَ مِنَ العَجائِزِ إنِّي أُعَلِّمُكِ مَسْألَةً فاذْكُرِيها لِهَذا الشَّيْخِ قُولِي لَهُ: كانَ لِي ثَلاثَةٌ مِنَ البَنِينَ واحِدٌ كانَ في غايَةِ الدِّينِ والزُّهْدِ، والثّانِي كانَ في غايَةِ الكُفْرِ والفِسْقِ، والثّالِثُ كانَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ، فَماتُوا عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ فَأخْبِرْنِي أيُّها الشَّيْخُ عَنْ أحْوالِهِمْ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: أمّا الزّاهِدُ، فَفي دَرَجاتِ الجَنَّةِ، وأمّا الكافِرُ، فَفي دَرَكاتِ النّارِ، وأمّا الصَّبِيُّ، فَمِن أهْلِ السَّلامَةِ. قالَ قُولِي لَهُ: لَوْ أنَّ الصَّبِيَّ أرادَ أنْ يَذْهَبَ إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الَّتِي حَصَلَ فِيها أخُوهُ الزّاهِدُ هَلْ يُمْكِنُ مِنهُ. فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَهُ إنَّما وصَلَ إلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ بِسَبَبِ أنَّهُ أتْعَبَ نَفْسَهُ في العِلْمِ والعَمَلِ. وأنْتَ فَلَيْسَ مَعَكَ ذاكَ فَقالَ أبُو الحَسَنِ: قُولِي لَهُ: لَوْ أنَّ الصَّبِيَّ حِينَئِذٍ يَقُولُ: يا رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ الذَّنْبُ لِي، لِأنَّكَ أمَتَّنِي قَبْلَ البُلُوغِ ولَوْ أمْهَلْتَنِي فَرُبَّما زِدْتُ عَلى أخِي الزّاهِدِ في الزُّهْدِ والدِّينِ.