Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:125
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وخَلْقًا؛ لِأنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، هم خُصَماءُ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لِلَّهِ أيُّ ذَنْبٍ لَنا حَتّى تُعاقِبَنا، وأنْتَ الَّذِي خَلَقْتَهُ فِينا وأرَدْتَهُ مِنّا، وقَضَيْتَهُ عَلَيْنا، ولَمْ تَخْلُقْنا إلّا لَهُ، وما يَسَّرْتَ لَنا غَيْرَهُ ؟ فَهَؤُلاءِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا خُصَماءَ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الحُجَّةِ. أمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ مَكَّنَ وأزاحَ العِلَّةَ، وإنَّما أتى العَبْدُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، فَكَلامُهُ مُوافِقٌ لِما يُعامَلُ بِهِ مِن إنْزالِ العُقُوبَةِ، فَلا يَكُونُونَ خُصَماءَ اللَّهِ، بَلْ يَكُونُونَ مُنْقادِينَ لِلَّهِ، هَذا كَلامُ القاضِي وهو عَجِيبٌ جِدًّا، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ: يَبْعُدُ مِنكَ أنَّكَ ما عَرَفْتَ مِن مَذاهِبِ خُصُومِكَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ ولا اسْتِحْقاقٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وأنَّ كُلَّ ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ في العَبْدِ فَهو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ عَلى الرَّبِّ اعْتِراضٌ ولا مُناظَرَةٌ، فَكَيْفَ يَصِيرُ الإنْسانُ الَّذِي هَذا دِينُهُ واعْتِقادُهُ خَصْمًا لِلَّهِ تَعالى.
أمّا الَّذِينَ يَكُونُونَ خُصَماءَ لِلَّهِ فَهُمُ المُعْتَزِلَةُ، وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ الثَّوابِ والعِوَضِ، ويَقُولُ: لَوْ لَمْ تُعْطِنِي ذَلِكَ لَخَرَجْتَ عَنِ الإلَهِيَّةِ وصِرْتَ مَعْزُولًا عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِرْتَ مِن جُمْلَةِ السُّفَهاءِ، فَهَذا الَّذِي مَذْهَبُهُ واعْتِقادُهُ ذَلِكَ هو الخَصْمُ لِلَّهِ تَعالى.