Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:125
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَهو يَقْتَضِي تَفْكِيكَ نَظْمِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي أنْ يَحْصُلَ انْشِراحُ الصَّدْرِ مِن قِبَلِ اللَّهِ أوَّلًا، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُصُولُ الهِدايَةِ والإيمانِ، وأنْتُمْ عَكَسْتُمُ القَضِيَّةَ فَقُلْتُمُ: العَبْدُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ أوَّلًا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ يَهْدِيهِ، بِمَعْنى أنَّهُ يَخُصُّهُ بِمَزِيدِ الألْطافِ الدّاعِيَةِ لَهُ إلى الثَّباتِ عَلى الإيمانِ، والدَّلائِلُ اللَّفْظِيَّةُ إنَّما يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِها إذا أبْقَيْنا ما فِيها مِنَ التَّرْكِيباتِ والتَّرْتِيباتِ فَأمّا إذا أبْطَلْناها وأزَلْناها لَمْ يُمْكِنِ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنها أصْلًا، وفَتْحُ هَذا البابِ يُوجِبُ أنْ لا يُمْكِنَ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، وإنَّهُ طَعْنٌ في القُرْآنِ وإخْراجٌ لَهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، فَهَذا هو الكَلامُ الفَصْلُ في هَذِهِ السُّؤالاتِ، ثُمَّ إنّا نَخْتِمُ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ القاهِرَةِ، وهي أنّا بَيَّنّا أنَّ فِعْلَ الإيمانِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ داعِيَةٌ جازِمَةٌ إلى فِعْلِ الإيمانِ، وفاعِلُ تِلْكَ الدّاعِيَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جانِبِ الكُفْرِ، ولَفْظُ الآيَةِ مُنْطَبِقٌ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ فَمَن يُرِدِ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ قَوّى في قَلْبِهِ ما يَدْعُوهُ إلى الإيمانِ، ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ ألْقى في قَلْبِهِ ما يَصْرِفُهُ عَنِ الإيمانِ ويَدْعُوهُ إلى الكُفْرِ، وقَدْ ثَبَتَ بِالبُرْهانِ العَقْلِيِّ أنَّ الأمْرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَجَمِيعُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ السُّؤالاتِ ساقِطٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.