Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 6:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ عَيْنُ المَكْرِ والغَدْرِ والحَسَدِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ حُصُولُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ مَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لِكَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ سَيُصِيبُهم صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ وتَقْرِيرُهُ أنَّ الثَّوابَ لا يَتِمُّ إلّا بِأمْرَيْنِ، التَّعْظِيمُ والمَنفَعَةُ، والعِقابُ أيْضًا إنَّما يَتِمُّ بِأمْرَيْنِ: الإهانَةُ والضَّرَرُ. واللَّهُ تَعالى تَوَعَّدَهم بِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، في هَذِهِ الآيَةِ، أمّا الإهانَةُ فَقَوْلُهُ سَيُصِيبُهم: ﴿صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الصَّغارِ عَلى ذِكْرِ الضَّرَرِ؛ لِأنَّ القَوْمَ إنَّما تَمَرَّدُوا عَنْ طاعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ طَلَبًا لِلْعِزِّ والكَرامَةِ، فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ يُقابِلُهم بِضِدِّ مَطْلُوبِهِمْ، فَأوَّلُ ما يُوَصِّلُ إلَيْهِمْ إنَّما يُوَصِّلُ الصَّغارَ والذُّلَّ والهَوانَ، وفي قَوْلِهِ: (صَغارٌ)
صفحة ١٤٥
(عِنْدَ اللَّهِ) وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الصَّغارَ إنَّما يَحْصُلُ في الآخِرَةِ، حَيْثُ لا حاكِمَ يُنَفِّذُ حُكْمَهُ سِواهُ.
والثّانِي: أنَّهم يُصِيبُهم صَغارٌ بِحُكْمِ اللَّهِ وإيجابِهِ في دارِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الصَّغارُ هَذا حالُهُ، جازَ أنْ يُضافَ إلى ”عِنْدَ اللَّهِ“ .